اكتشف قوة صوتك الداخلي: العلم يكشف أسراره الخفية!

يُعدّ الصوت الداخلي رفيقًا دائمًا للإنسان، يتناوب بين الهمس الموبخ والتشجيع الداعم. قد يهمس إليك أحيانًا: “كم كنت غبية” أو “أنت لست جذابة بالمرة”، فيُصيبك بالإحباط. وفي أحيان أخرى، يؤكد لك أنك “قوية” وأن الأمور “ستكون بخير”، فيمنحك الدعم. هذا الصوت يدندن بأغنية عالقة في ذهنك، أو يعيد عليك كلمة سر لا تريد نسيانها. تسمعه عند قراءة كتاب أو الاستماع إلى محاضرة، يردد الكلمات بصوتك. تستدعيه عندما ترغب في تذكر شيء ما تاه بين ركام عقلك. إنه يحضر في مواقف مختلفة، يدعمنا أو يقرِّعنا، لكنه يتحدث طوال الوقت تقريبًا. فمن أين يأتي هذا الصوت الداخلي الذي يرافقنا دائمًا ويكاد لا يصمت أبدًا؟

حجم الحوار الداخلي: 4000 كلمة في الدقيقة!

تكشف دراسة أجرتها باحثة من جامعة ووستر الأمريكية أننا نتحدث إلى أنفسنا بمعدل يصل إلى 4000 كلمة في الدقيقة. تخيل الوقت الذي يستغرقه الاستماع إلى عدد مماثل من الكلمات في تقرير إخباري مثلًا. حينها، يمكنك تخيل مدى إرهاق الاستماع إلى حديث النفس، خاصة إذا أخذنا بالاعتبار محتواه. هذا المحتوى قد يكون أفكارًا متناثرة، أو اجترارًا لأحداث مؤلمة، أو لومًا، أو حوارًا غاضبًا.

نشأة الصوت الداخلي وتطوره

في الطفولة، نتحدث أثناء اللعب بجمل متفرقة غير مترابطة. يبدو منها أننا نحاول فهم العالم المحيط. هذا الصوت نفسه يكبر معنا ونتحكم فيه أكثر. يصبح داخل رؤوسنا فقط، لا يسمعه أحد سوانا. هكذا يكون كل شيء هادئًا في الخارج، بينما يسود الضجيج في الداخل. غالبًا ما يكون هذا الصوت أداتنا لمواجهة المشكلات وترتيب عالمنا الداخلي والخارجي. يصفه “إيثان كروس”، المتخصص في علم الأعصاب وعلم النفس التجريبي، بأنه “قوة عظمى نمتلكها تميزنا عن الأنواع الأخرى”.

أبحاث إيثان كروس: فهم الحوار الصامت

يدير إيثان كروس مختبر المشاعر والتحكم في النفس (Emotion and Self Control Lab) في جامعة ميشيغان الأمريكية. يعمل بشكل أساسي في دراسة المحادثات الصامتة التي يجريها الناس مع أنفسهم. يبحث في كيفية تأثيرها في حياتهم. يستفيد البعض من الانزواء إلى الداخل، فيفهمون مشاعرهم ويتعاملون معها. بينما يكون الانفراد بالنفس جحيمًا بالنسبة إلى آخرين. هذا يثير التساؤل عما إذا كانت هناك طرق صحيحة وأخرى خاطئة للتواصل مع الذات.

أنماط الأصوات الداخلية: صديق، والد، منافس، طفل

في دراسة نُشرت عام 2013 في مجلة “جورنال أوف سيكولوجي (The Journal of Psychology)”، حددت باحثة متخصصة في علم النفس في جامعة جون بول الثاني الكاثوليكية أربعة أنماط مختلفة من الأصوات الداخلية. هذه الأنماط هي: صديق وفي، ووالد متناقض يكيل الانتقادات، ومنافس فخور يهتم بالنجاح أكثر مما يقدم الدعم، وطفل عاجز. يظهر كل صوت من الأصوات الأربعة في نوع مختلف من المواقف، مقدمة لنا وصفة خاصة لتجاوزها.

التأثير الإيجابي للصوت الداخلي

غالبًا ما يكون للصوت الداخلي تأثير إيجابي كبير في سلوكنا بالفعل. تشير دراسة لباحثين من قسم التربية البدنية وعلوم الرياضة بجامعة ثيساليا اليونانية إلى أن الصوت الداخلي يؤثر إيجابيًا في أداء الرياضيين. يعتبر استراتيجية لتسهيل التعلم وتحسين الأداء. يلعب الصوت الداخلي دورًا في التذكر والاحتفاظ بالمعلومات نشطة. يكرر لك رقم الهاتف الذي تحاول تذكره عدة مرات. يساعدك في التخطيط للمستقبل. يجري معك حوارًا متواصلًا لتتخيل الأخطار المحتملة وتفكر في كيفية مواجهتها قبل أن تحدث. يطرح عليك كثيرًا من الأسئلة، تؤثر في النهاية في خياراتك وسلوكك.

الجانب المظلم للصوت الداخلي: المثبطات والشكوك

يؤكد إيثان كروس من خلال تجاربه أن الصوت الداخلي أقوى أثرًا من كل ما يحيط بنا من الخارج. هذا يفاقم تأثيره السلبي إذا كان مثبطًا. بإمكانه أن يفسد عليك حدثًا سعيدًا تشهده. قد تكون في حفل مع أصدقائك مثلًا، فقط لأنه قرر أن يجتر معك في تلك اللحظات حدثًا أليمًا مضى. هكذا يكون الصوت الداخلي أحيانًا عدوًا يرافقنا. ينتقدنا. يزعزع احترامنا لذواتنا وثقتنا في أنفسنا. فيقول: “لستِ جميلة مثل صديقتك”. يثير الشك في قوة علاقاتنا بالآخرين، فيردد: “إنهم لا يحبونك”. يقلل من شأن إنجازاتنا في العمل، فيكرر: “لن تنجح أبدًا”، أو “لا أحد يقدر ما تفعله”.

لماذا يتحدث الصوت الداخلي إلينا تحت الضغط؟

يمكنك أن تتخيل كم هو صعب أن نتعرف إلى خصائص هذا الحديث الذاتي. هناك أصوات داخلية بعدد كل الناس تقريبًا. مع ذلك، فقد حاول العلماء اكتشاف ما يقوله ذلك الصوت. يحدثنا بمعدل أكبر حين نمر بضغوط. يكرر إجابات لأسئلة مقابلة العمل المتوقعة مثلًا. نسمعها في الغالب بأصواتنا الحقيقية، لنكون دائمًا على استعداد.

تميل أدمغتنا لتخيل موقف خطير مثلًا والتدرب على كيفية مواجهته. هذا أكثر من ميلها لتذكر أمور إيجابية. يعود هذا إلى أنها تهتم بسلامتنا وبقائنا على قيد الحياة أكثر مما تفكر في سعادتنا. لذلك، حين تطرح أدمغتنا أسئلة على شاكلة “هل أنت محبوبة من الآخرين؟”، فإن الهدف يكون إبقاءك ضمن مجموعة تحميك. لا يمكننا العيش دون مساعدات الآخرين. لذلك يتكرر السؤال: هل يحبونك؟ وهل أنت جديرة بأن تكوني معهم؟ ليس للتقليل من ثقتك بذاتك، ولكن لضمان بقائك ضمن المجموعة.

وظائف الصوت الداخلي: تأمل وحل مشكلات

في تجربة قامت بها “فاميرا راسي”، منسقة معمل الكلام الداخلي في جامعة ماونت رويال بكندا، للتعرف إلى أسباب استخدامنا الحديث الداخلي، وجد الباحثون أننا نتحدث إلى أنفسنا عن كل شيء. نتحدث عن عواطفنا، والآخرين، وأنفسنا. يحدث هذا أثناء قيامنا بالمهام اليومية العادية مثل المشي والنهوض من السرير. يؤدي هذا الكلام الداخلي دورًا مهمًا في التأمل الذاتي وحل المشكلات. كما يسهم في التفكير النقدي والتفكير المنطقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى